التدبر .. حياة القلب
كتب في تصنيف
جديدنا بتاريخ Dec 24 2011 14:54:29
ينتابني الحزن عندما أجد كثيرين منا يُقبلون على ما يسمى بتمارين اليوجا، وعندما سألت أحد الهائمين بتلك التمارين لماذا يهرعون إليها؟ ويجدون فيها حلاوة؟ قال: إنها تتيح لممارسها فرصة الانعزال عن الحياة وضغوطها وتوتراتها لفترة، مما يعيد النفس إلى أصلها بلا مؤثرات أو تأثيرات. وقلت له: يا أخي لو اختلينا مع القرآن وتدبرنا آياته ألن يرجع بنفوسنا إلى فطرتها، وتعرفت على نفسها، وتخلصت من زوائد الحياة واستعادت صفاءها وهدوءها ونقاءها الذي ولدت به.
قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}. وقال أيضا: {أفلا يتدبرون القرآن} وقال : {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} كما قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} أي: حي القلبِ، وقوله: {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ} أي: وجَّه سمعَه، وأصغى حاسَّة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرطُ التأثّر بالكلام، وقوله: {وَهُوَ شَهِيدٌ} أي: شاهدُ القلبِ، حاضرٌ، غير غائبٍ.
ففي تدبر القرآن حياة القلوب، وصحة النفوس، وهذا لا يشعر به إلا المتدبرون وحدهم؛ لأن القرآنَ لا يَمنحُ كنوزَه إلاَّ لمَن يُقبل عليه، وكلما خَلُصت حياةُ الإنسانِ لله، وتعلَّق قلبُه بهَمِّ الآخرة، وصُفِّي من هموم الدنيا، وتطهَّر من لوثةِ خطاياه، سيجد أُنسًا بالقرآنِ لا ينتهي، فعن عثمانَ بنِ عفَّان -رضي الله عنه- قال: "لو أنَّ قلوبَنا طهُرتْ ما شبِعتْ من كلامِ ربِّنا، وإنِّي لأَكْرَهُ أن يمرَّ عليَّ يومٌ لا أنظر في المصحف".
ومن وفّقَ للتدبّرِ، والعيشِ مع القرآن؛ فقد أمسكَ بأعظم مفاتيحِ حياةِ القلب، كما يقول ابن القيم: "التدبّر مِفتاح حياةِ القلب"، وسيجد أنَّ العيشَ مع القرآن لا يعادله عيشٌ! ألم يقل الله تعالى لنبيه: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى}.